ابن قيم الجوزية

58

الروح

قال تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ « 1 » ، وقال تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ « 2 » ، قالوا : وإذا كانت الملائكة تموت فالنفوس البشرية أولى بالموت ، قالوا : وقد قال تعالى عن أهل النار أنهم قالوا : رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ « 3 » فالموتة الأولى هذه المشهودة وهي للبدن والأخرى للروح « 4 » . وقال الآخرون : لا تموت الأرواح فإنها خلقت للبقاء ، وإنما تموت الأبدان ، قالوا : وقد دلت هذه الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها اللّه في أجسادها ، ولو ماتت الأرواح لا نقلع عنها النعيم والعذاب ، وقد قال تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ « 5 » هذا مع القطع بأن أرواحهم قد فارقت أجسادهم وقد ذاقت الموت . والصواب أن يقال : موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها ، فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت ، وإن أريد أنها تعدم وتضمحل وتصير عدما محضا فهي لا تموت بهذا الاعتبار ، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو عذاب كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى بعد هذا ، وكما صرح به النص أنها كذلك حتى يردها اللّه في جسدها ، وقد نظم أحمد بن الحسين الكندي هذا الاختلاف في قوله : تنازع الناس حتى لا اتفاق لهم * إلا على شجب والخلف في الشجب فقيل تخلص نفس المرء سالمة * وقيل تشرك جسم المرء في العطب

--> ( 1 ) سورة الرحمن ، الآية 26 . ( 2 ) سورة الرحمن ، الآية 26 . ( 3 ) سورة غافر ، الآية 11 . ( 4 ) قال ابن مسعود وابن عباس وقتادة : الموتة الأولى حين كانوا في العدم ، والموتة الثانية حين ماتوا في الدنيا ، والحياة الأولى حياة الدنيا ، والحياة الثانية حياة البعث يوم القيامة ، فهاتان موتتان وحياتان . ويوضح أيضا هذا المعنى قوله تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ . ( 5 ) سورة آل عمران ، الآية 169 - 170 .